السبت، 2 يونيو 2012

التضخم السكاني ..إشكالية الفقيه والسياسي والمجتمع 2-إعادة التفكير –قراءة في فكرنا الديني والاجتماعي

إعادة التفكير – قراءة في فكرنا الديني والاجتماعي 2

ثانيا – التضخم السكاني ..إشكالية الفقيه والسياسي والمجتمع

بقلم : حمد الحمد

كاتب مقال وروائي

___________________________

0 سؤال ما زال يطرح لماذا تتعايش حكومات عالمنا العربي مع أزمات سياسية واجتماعية حتى قبل ثورات الربيع العربي , وغالبا ما يطرح بهذا الخصوص سبب جوهري وهو ذلك التضخم السكاني لا يتوازن مع الموارد ويضغط على الخدمات.

وعندما تطرح هذا القضية على بساط البحث, نعني التضخم السكاني تجد من يرفض مناقشة هذا الموضوع من حيث المبدأ , كون الأمر محسوم لأسباب دينية واجتماعية , من هذه الأسباب إن هناك ما هو متواتر عن الرسول ص بتشجيع النسل وليس من الحد منه كما يطالب البعض, ونذكر حديث رواه أبوداود والنسائي ( ..توالدوا,تناسلوا,فأني مباه بكم الأمم يوم القيامة ) وهنا نأتي لعقبة دينية فكرية أو حتى اجتماعية من شأنها عدم التطرق لهذا الموضوع بل المطالبة بزيادة النسل , مع تطابق ذلك مع فتاوى بعض رجال الدين أو ما نطلق عليهم المفتين أو لجان الإفتاء .

ومن هذا المنطلق يـتأكد لنا حقيقة إشكالية فجوة الفقيه مع السياسي , بمعنى إن المفتي ,الفقيه وهو العالم بأمور الشرعية يطلق الفتوى بدون الرجوع إلى متطلبات الواقع , بينما السياسي يتعايش يوميا مع واقع متغير متفجر, وهو ونعني السياسي من يتحمل المسئولية كاملة لحل قضايا حياتية منها إيجاد فرص العمل وتوفير السكن وخدمات وغيرها من متطلبات حيوية للشباب وغيرهم , بينما المفتي أو الفقيه أو أعضاء لجان الإفتاء يقبعون في مكاتبهم لا يسمعون صدى الواقع المتغير عن واقع ما قبل قرون عديدة , هؤلاء ( يتلحفون ببشوتهم ويصمون أذانهم ) وليس لديهم الرغبة أو الاستعداد لسماع أية أراء تتحدث عن الواقع المعاش.

السياسي الذي تكلمنا عنه هو أو هم رجال الحكم أو أعضاء السلطات التنفيذية والتشريعية الذين هم ملزمون بتوفير فرص عمل, أو أماكن سكن وحياة كريمة للمواطن و لكل الشباب المقبلون على الحياة وفق التضخم السكاني الذي يتضاعف بدون وضع سقف له , ويضغط على الخدمات والموارد بل أن موارد البلد لا تتوازن معه , لهذا فلا أمل بفرص عمل و احتياجات سكن ولا حتى فرص زواج .

علينا أن نعود لحديث الرسول ص والذي فحواه تشجيع زيادة النسل , وهو بمضمونه صحيح في زمنه أو حتى قبل قرن من زمننا هذا , حيث كانت المدن سكانها محدود العدد وتحاط بأسوار والحروب تحتاج رجال للدفاع عن الأعراض والأوطان ولرجال بحثا عن الرزق في بقاع الأرض , وكانت الأمراض تفتك بالشعوب فأمراض الطاعون والجدري والسل عندما تجتاح تجمع سكاني تقضي على الآلاف في يوم واحد , وتاريخ الكويت يشهد على ذلك , ففي عام الرحمة في القرن قبل الماضي كان الرجال في رحلة الغوص ففتك الطاعون هذا الوباء بالسكان حتى غدت الدور خالية من سكانها وانقطع وتقلص نسل اسر بأكملها .

وتوقع فيلبي وقد عايش أحداث المنطقة بنفسه في بدايات القرن الماضي فذكر في احد كتبه توقع انقراض سكان الجزيرة العربية نتيجة للأمراض الفتاكة والحروب القبلية التي تقضي على الرجال, وتروي كتب المؤرخين حال مصر في العهد الفاطمي و عصر المماليك فعند مرور هذا الوباء كان يقتل يوميا الآلاف المؤلفة من السكان.

أما في وقتنا الحالي فقد تطورت الرعاية الصحية بحمد الله مما قلل معدل الوفيات وزاد عدد المواليد , لهذا عجزت الحكومات أن تلبي مطالب الشعوب لتسرع معدل الزيادة السكانية وتقلص أو ثبات الموارد المالية جراء متطلبات التضخم السكاني

ولو نأخذ الكويت كنموذج فأن هناك حوافز مالية تم إقرارها من الحكومة ومجلس الأمة تشجع على زيادة النسل بدفع علاوات لعدد محدد من الأطفال , هذا وان كان منحى طيب لا غبار عليه إلا انه حاليا ومع مرور السنين يجعل من الصعب على أية حكومة تلبية متطلبات السكن وفرص العمل للشباب خاصة مما يخلق أزمة تكبر مثل جبل الثلج .

وعندما نعود لإحصاء سكان الكويت عام 2005 كان عدد الكويتيين ما يقارب 880000 الف , بينما عدد الكويتيين بتعداد 2007 ما يقارب المليون , هنا السؤال هل بإمكان أية حكومة حالية أو قادمة توفير فرص عمل أو خدمات صحية أو تعليمية أو احتياجات سكن حتى ل 5% من هؤلاء الجدد عند وصول استحقاقهم إضافة لتلبية الطلبات الحالية , وبحلول العام القادم سيكون كما ذكرت القبس أمام الدولة 100 الف طلب إسكاني , هنا لا نحتاج إلى معرفة أي جواب .

وعندما نأتي لباقي الدول العربية , فتذكر الأستاذة غادة السعراني وهي متخصصة بالتربية بجريدة عاجل الالكترونية السعودية انه يولد مولود كل 19 ثانية في المملكة , وتحذر من تلك الزيادة الهائلة , أما في مصر فهناك كارثة اكبر ففي عام 1947 كان عدد السكان 19 مليون , أما تقديرات عام 2012 يبلغ عدد السكان 82 مليون , منهم ما يقارب أكثر من 18 مليون من الأميين , بينما لو نقارن هذا العدد مع دولة أوروبية كالدنمارك فأن عدد سكانها يبلغ 5 ملايين ,وإسرائيل عدد سكانها ما يقارب 8 ملايين فقط.

وفي شرق العالم ابتلت كل من الصين والهند بالتضخم السكاني الذي يلتهم كل الموارد , وما كان منهما من اجل أوضاع أفضل ولمزيد من التقدم أن اتبعت طرق منها المولود الواحد لكل أسرة كما حدث بالصين , وبالهند دعوة الناس للتعقيم والتوقف عن إنجاب مزيد من الأطفال وكانت النتائج مشجعة حيث أصبحت كل من الهند والصين تقتحمان العالم بانجازات لم تكن بالسابق ممكنة وتحسن الوضع الاقتصادي لفئات من الشعب, هذا رغم إن بعض أساليب الحد من النسل مؤلمة جدا وغير أخلاقية و لا تتوافق مع النفس البشرية والمعتقدات الدينية إلا أنها تنقذ ما يمكن إنقاذه من شبح تضخم سكاني يأكل الأخضر واليابس ويوقف إي تقدم ويرفع معدلات الفقر .

هنا يتوجب أن لا يفهم إننا ننادي بما طبق بالصين مثلا ولكن ننادي أن يلتفت رجال السياسة والدين وعلم الاجتماع لهذه المشكلة والبدء بخطوات تساهم بالحد من النسل بالقوانين المحفزة وبالتوعية حتى لا نقود عالمنا إلى الإسراع نحو الهاوية الذي هو فيه أو على حافته , والهاوية مستنقع يقود إلى اضطرابات سياسية ونزاعات عرقية وفقر , وبعض بلداننا نموذجا حاضرا حيث نزاعات داخلية وناس تسكن في المقابر أو العشوائيات وموت محتم لقوارب الموت تحمل شباب عربي نحو أوروبا بحثا عن بصيص أمل لفرص عمل .

هنا نطرح سؤال , هل الثورات العربية التي اجتاحت عالمنا العربي ساهم بها ارتفاع التضخم السكاني وخاصة نسبة أعداد الشباب ؟, نعم نعتقد هذا , فالثورات أشعل شرارتها الشباب في البحث عن فرص عمل وحرية حيث أصبح هؤلاء هم الأكثرية في المجتمع ولهم مطالب تقلصت ثم انعدمت , ونتذكر القول الشعبي القائل: الذي لا يملك شي لا يخسر شي .

ولن نبتعد كثيرا ونحن نذكر ما حدث في رومانيا من سبعينيات القرن الماضي حيث قام نيكولاي تشاوتشيسكو حاكم ذلك البلد الشيوعي بتشجيع زيادة النسل في بلد محدود الموارد , ولكن الذي حدث هو إن الذي شجع على خروجهم إلى الحياة من المواليد عندما شب ساعدهم بعد عشرين سنة هم الذين أشعلوا الثورة في ذلك البلد وأطاحوا به , نعني تشاوتشيسكو حيث اعدم في أواخر الثمانينيات من قبل العسكر هو وزوجته أمام شاشات التلفزيون , لهذا هل سيتعلم أهل السياسة في عالمنا العربي من درس تشاوتشيسكو.

أخيرا نؤمن بأن عدم ربط الفكر الديني بواقع لا يتوافق مع الحقائق على الأرض قد يخلق إشكالية التضاد بين الفقهاء الذين يعيشون في بروج عاجية تمنعهم من النظر إلى ما يحدث على الأرض , وهنا علينا أن نتحمل تبعات تلك الفجوة بين الفقيه والسياسي والمجتمع الذي لا يتقبل أفكار تحد من تزايد النسل , ولا يعي الانعكاسات الحالية و المستقبلية السلبية التي حتما مؤلمة علينا جميعا وعلينا أن ندق الجرس لمن يعي تبعات هذه الإشكالية الأزلية .

اختم بحكاية تأتي في هذا السياق و نهايتها تدل على المعنى المراد ,والحكاية عن خبر نشر بإحدى صحفنا المحلية العام الماضي حيث قام مواطن بالسفر خارج الكويت بسيارته التي لا تستوعب إلا ثمانية أشخاص , ولكن هذا المواطن كان يسافر ومعه اثنا عشر شخص من أطفال ونساء وبالغين من أفراد عائلته بالإضافة إلى حقائب بأوزان ثقيلة , وفي الطريق انفجر احد الإطارات وانقلبت السيارات لعدم تحملها هذا الثقل الزائد وتوفى جميع الركاب في الحادث المؤلم ما عدا طفل رضيع , هذه الحادثة تدل على إن الأوطان لها كذلك استيعاب لتحمل عدد محدد من السكان وان زاد فتكون هناك عواقب وخيمة .

______________

من مدونة حمد الحمد

السبت 2 يونيو 2012 س 9 ود 5 ص


 


 


 


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق