الأربعاء، 23 نوفمبر، 2016

الكويت بين المشيخة والديمقراطية !!

الكويت بين المشيخة والديمقراطية !!
كتب : حمد الحمد
_____________
الأمر أختلط على الكثيرين مع مرور الأيام  وخاصة بالنسبة للشباب وآخرين وهو إن الكويت دولة ديمقراطية وهذا غير صحيح ، لأن شروط النظام الديمقراطي لا تنطبق عليها وفق الأسس العالمية أو النماذج المُعاصرة في أوروبا وأمريكا وأسيا ، السؤال لماذا؟  ، الموضوع لا يحتاج إلى إثبات أنما فهم .
في الحقيقة الكويت بالأساس هي أمارة أو مشيخة ، وهذا نوع من أساليب الحكم القبلي الُمتبع قديماً وما زال وخاصة في عالمنا العربي ، وهذا النظام أعني نظام المشيخة هو نظام قديم ومُجرب بمعنى مجموعة من البشر تتفق على شخص ما ليكون هو الحاكم وإذا رسخ العدالة وثبت الأمن يستمر ليتوارث الحكم بعده ابنه أو من هو اقرب له من القبيلة أو  العائلة، ويستمر الأمر هكذا،  وهذا نظام الحكم لدى القبائل وليس بجديد ، ولكن هو نظام محفوف بالمخاطر وقد لا يتناسب مع العصر الحالي .
الكويت أتبعت نظام المشيخة حتى فترة أواخر الخمسينيات بشكل كامل، والحكم لأسرة الصباح على امتداد ما يقارب 3 قرون إلا من تجارب مُشاركة محدودة غير ناجحة سبقت ذلك  ، لكن ما حدث في أواخر القرن التاسع عشر  قد رسخ مبدأ مكتوب وهو معاهدة 1899 مع الانجليز، والذي وقعها الشيخ مبارك بطلب منه للحماية من أخطار تُهدد الحكم وخاصة من الدولة العثمانية ومن غيرها وكذلك أسوة لما أقدمت عليه البحرين عندما وقعت مع الانجليز قبل الكويت وانتعشت تجاريا ، تلك  المعاهدة أحد بنودها رسخ الحكم  في أسرة الصباح وفقط  في سلالة الشيخ مبارك الصباح ، ولكن في فترة الخمسينيات وبعد الحرب العالمية الثانية تغيرت أوضاع انجلترا كدولة عظمى  وأرادت الخروج من المنطقة ، لهذا الشيخ عبدالله السالم رحمه الله ليس أمامه إلا أمر إلغاء معاهدة 1899 مع الانجليز  ، لكن هناك بند هام إذا تم إلغاء المعاهدة بكافة بنودها، فأنه يجب أن يكون هناك بديل وهو أبقاء البند الذي يؤكد ان الحكم لسلالة الشيخ مبارك الصباح فقط وليس لكافة أسرة الصباح كما كان من قبل ، لهذا الشيخ مبارك ومن حوله من رجالات الكويت وبذكاء طرحوا فكرة الدستور وهو المُشاركة مع الشعب ، وهذا مُبرر لإبقاء ذلك البند الذي يؤكد إن الحكم لأسرة الصباح و لسلالة الشيخ مبارك الصباح فقط ، وان هناك مشاركة من الشعب عبر ما يُسمي بمجلس الأمة وفق الدستور الذي تم اعتماده ، ولكن لنعود لماذا الكويت ليست ديمقراطية بالمعنى الُمتعارف عليه كما هو في دول في أمريكا أو أوروبا  وذلك للأسباب التالية :
أولا: النظام الديمقراطي الحق يتطلب دستور واضح المعالم والدستور يرتبط به نظام أحزاب يخضع للقوانين والمراقبة المالية ، وحاليا في الكويت فقط لدينا دستور واضح المعالم ، ولكن لا يوجد نظام أحزاب أو جمعيات سياسية معترف بها ، ولو نفترض تم أقرار نظام الأحزاب في الوقت الراهن فلن يخرج للأسف عن أحزاب شكلها حزبي بمسميات مختلفة بشكل ديمقراطي ، لكن باطنها قبلي أو أصولي أو فئوي وهذا لا يتوافق مع ما هو مُتعارف عليه عالميا ، والناس ليس في رغبة للتحول في الوقت الراهن .
ثانيا : الديمقراطية ترسخ فكرة أن يحكم الشعب نفسه بنفسه بمعنى أن من يدير سدة الحكم في البلاد هو احد أفراد الشعب ويأتي غالبا من أحد الأحزاب الفائزة وليس من أسرة الحكم . وهذا لا يتوفر في الكويت حاليا وفق الدستور  .
ثالثا : الديمقراطية تنشأ عنها قوانين تحكم علاقات أفراد المجتمع مع الدولة ، وهذا بشكل وبأخر متوفر في الكويت فهناك قوانين مكتوبة ومنها ما يحفظ الحريات الشخصية سواء في التملك أو التصرف أو الملبس بما  يخالف القوانين ، وهذا يحسب للكويت وهو نهج ديمقراطي مدني . تلك الأسس الذي نعرفها ليطلق على إي دولة أنها دولة ديمقراطية لهذا نفتقد نحن لبعض تلك الأسس الهامة  وهذا يبعدنا عن وصف أن الكويت دولة ديمقراطية،  ولهذا تصنف عالميا في بعض المراجع إنها جزئياً ديمقراطية ، لهذا نستطيع تشبه ذلك بتشبيه طريف كأنك تشتري سيارة روزرايز من السوق وتضع لها مكينة شفر ، لهذا هل عندما تسير بها في الشوارع هل نقول انها روزرايز أعتقد لا..! لكن قد تبدو كذلك ظاهرياً لكن ليس بالفعل .
 لكن لماذا الكويت ليست ديمقراطية ؟ نحن نرى ذلك بالاتي :
اولا : الكويت دولة حديثة لم يُعترف بها إلا من قبل نصف قرن ، لهذا  الحقيقة  هي دولة تخلط بين النظام المشيخي ونظام المُشاركة بشكل الشورى ، حيث هناك دستور مكتوب ونظام انتخابات شفاف وتحت الرقابة ، لهذا يجنح نظام الدولة نحو من المتوافق في الحكم حيث هناك أسرة حكم تحكم ،وهناك مشاركة من الشعب عبر الانتخابات . و هذا الوضع يعتبر نوع من المرحلة في الحكم نحو ديمقراطية حقيقية لو توافرت لها الشروط والأجواء المحيطة الداخلية والخارجية .
ثانيا : نظام المشيخة الشوري وهو المتبع حالياً هو نظام مرحلة فقط و يفترض السير  نحو نظام أشبه بالدول المُتقدمة بالعالم حيث الحكم للشعب ، ولكن هذا لن يحدث في المستقبل القريب لأسباب عدة منها التالي :
ا _ التطور السياسي لنظام المشاركة المتبع وفق الدستور تم العبث به، والعبث هذا أسلوب جائز في عالم السياسة ولكن له مخاطر  بمعنى إن الحكومة كانت في فترة من الزمن كان تدعم الانتخابات الفرعية وتساند جماعات تعرفها جيداً كانت تحترم نظام المشيخة ، لكن في فترة متأخرة راحت هذه الفرعيات تَخرج عن نطاقها، بمعنى أنها أتت بمُخرجات هدفها ضرب الدستور وتغيير اللعبة وحرق كل المراحل بمعنى التوجه نحو الحكم للشعب والمطالبة  بحكومة مُنتخبة وهذا خط احمر لدى النظام ويخالف ما أتفق عليه بالدستور  .
ب _ الانتخابات الفرعية بين القبائل لم تعد تُخرّج أشخاص لهم هدف العمل في المجلس ، إنما البحث عن النجومية ورفع الصوت العالي  والتصادمي  والتكسب وكذلك تلك الانتخابات والتي تجرى بسرية لم تكن مُخرجاتها مثلا أفضل شخص في القبيلة أنما أفضل شخص في الفخذ الأكثر عدداً بغض النظر عن مؤهلاته  .
ج _ الانتخابات الفرعية أو ما يطلق عليها فيما بعد التشاوريات في ظل نظام الأربعة أصوات راحت تُقصي كل المكونات في الدائرة، وراح يسيطر على الدائرة القبائل الأكثر عدداً وهذا خروج عن اللعبة الديمقراطية  والوحدة الوطنية  أو المشاركة ، فلا يجوز أن تجري انتخابات في السراديب  لتقصيني عن المشاركة وأنا مكون هام بالمجتمع وبهذا لم يعد يصبح لي ممثل بالمجلس أو صوت  .
د _ إذا تحدثنا عن الانتخابات الفرعية أو التشاوريات في الدوائر القبلية  فهناك أمر مُشابه في المناطق الحضرية حيث لا يوجد قبائل بالمعنى المُتعارف عليه  ،لكن توجد تنظيمات سياسية دينية لها ثقلها ولها مقرات رسمية كجمعية الإصلاح الاجتماعي " الأخوان " وجمعية  إحياء التراث " السلف " وفكرها بالأغلب خارجي ، وتتفرع من هذه الجمعيات المُعترف بها من قبل الدولة  تشكيلات سياسية تتدخل بالانتخابات ، حيث مثلا يتفق الإخوان والسلف على تبادل الأصوات ليس من اجل إنجاح أفضل مرشحيهم  إنما لإقصاء أي تيار مُعارض، لهم لهذا يجتهدون بتبدل الأصوات وفق النظام القديم  لإقصاء إي تيار ليبرالي أو مدني لا يتوافق مع أفكارهم ، وحتى التيارات الدينية الشيعية تحمل ذات الفكر وهو إقصاء إي تيار أو صوت شيعي مدني .
هـ _ تلك اللعبة تغيرت وراح نظام المشاركة الذي نص عليه الدستور  يخرج عن مساره مما جعل النظام يغير مسار اللعبة، وهو إقرار نظام الصوت الواحد  الذي عند تطبيقه اخرج لنا مُكونات مجتمعية لأول مرة لتأخذ مكانها في المجلس ، هذه المكونات كانت مُحاربة أو مُقصاة بتعمد من المكونات الأكثر عدداً سابقاً .
ع – عندما نتحدث عن شكل أخر من الخروج عن اللعبة وهو دخول التيار الديني والسني كالسلف والإخوان وكذلك التيار الشيعي الديني بخطاب ظاهره يدعو للتعايش، وفي باطنه يرفض الآخر وأفضل مثال مُحاربتهم للسنوات طوال مشاركة المرأة في الحياة السياسية ، عدا إن لهم أجندات من أفكار خارجية غير ناجحة ، ومحاولة تطبيقها على مجتمع مُتجانس ومنفتح ، وخير مثال مباركتهم للربيع العربي  ودعم نجاح أحزاب دينية خارجية في مصر كالإخوان أو غيرها  .
ر -  من خلال تجربة المُشاركة على مدار السنوات الماضية نكتشف إن بعض من يسعى للفوز بالمقعد النيابي للأسف ليس من اجل تمثيل الأمة قاطبة والعمل داخل البرلمان للانجاز ولكن من اجل النجومية أو مكاسب دنيوية لصالحه أو جماعته أو تياره  وليس للوطن وهذا يفترض مكان من يسعى للنجومية  المسارح وليس مجلس يفترض أن يعمل و ينجز .
م _ كانت اخطر المطالبات هي المطالبة بحكومة شعبية ،وهذا كان بمثابة خط احمر للنظام وكأنه إلغاء ما أتفق عليه بالدستور ، حيث إن هكذا مطالبة بنظام أحزاب أو غيره يعني أن تحكم الأغلبية البلاد ولا يتعدى الأمر إلا أن تحكم البلد قبيلتين أو تيارين ويفرضوا جندتهم على الجميع ، وتلك الفئات تحمل فكر غير متوافق كأسس مع الوحدة الوطنية أو حتى النهج الديمقراطي .. وهذا الأمر برمته يلغي نظام المشيخة التشاوري  وهو خط احمر كما ذكرنا لدى النظام   .
و _ وبدون وعي صب جميع المرشحين في هذه انتخابات 2016غضبهم على المجلس السابق وقالوا "كل الناس غير راضين عنه" وهذا تعميم بدون إثبات والتعميم غالباً هو لغة البسطاء ، لكن المجلس السابق له انجازات تذكر مثلا في تحريك القضية الإسكانية وفي إقرار بعض القوانين المهمة وساهم في استقرار الوضع الأمني الداخلي في ظل أوضاع أقليمية  ملتهبة تدور حولنا وكذلك لم نعد نرى أعضاء يتركون قاعة المجلس ويتوجهون لساحة الإرادة لتحريك الشارع في مظاهرات عُرف فيما بعد من يحركها وكانت تتحرك لأخبار ومعلومات مغلوطة،  والمجلس السابق له إخفاقات كبرى منها إقرار قانون البصمة الوراثية وقانون المسىء وهذا يتحمله رئيس المجلس الذي سمح أن تُقر  تلك  القوانين الهامة في ثلاث مداولات في جلسة واحدة وبدون نقاش وهذا مر عجيب يفترض أن لا يحدث وخدعة لمن صوت لكل عضو وافق بدون أن يناقش .
أخيراً :
الانتخابات قادمة بعد أيام ويُفترض من كل كويتي إن يشارك لإخراج مُخرجات تريد العمل والانجاز  وإقرار قوانين تحارب الفساد وتحل قضايا عالقة لان مهمة  النائب هو مُعالجة القضايا الكبرى وليس الصغرى أو الهامشية،  وليس للبحث عن النجومية والكسب الحرام ، لكن للأسف أرى بعض المرشحين يسعون بتعمد لدخول المجلس القادم ليس من اجل العمل أنما للتأزيم وقتل العمل النيابي من الداخل وإفشال المجلس القادم  .
و هناك للأسف من يروج بسذاجة لمقولة "إن وجود مجلس الأمة غير ضروري " وهذا طرح في غاية الخطورة ويُفترض أن لا يلتفت النظام لهكذا مقولات حيث أن من يطالب بحل غير دستوري إنما  لا يعي المخاطر  وتلك المطالبة تعتبر خطر على الدولة وعلى المشيخة ، وخطر على المجتمع لان مشاهدة نواب عن الشعب يختلفون داخل قبة البرلمان  ويتصادمون أفضل من أن نجد أفراد الشعب بلا صوت و يتصادمون بالشوارع بدون مجلس .
الذي أتوقعه :
إن المجلس القادم قد يكون مجلس تصادمي إذا كان هناك أغلبية أتت فقط لإفشال مجلس الصوت الواحد كما يدعون، أو أغلبية لا ترغب أن تتفق مع الحكومة على رئيس يأتي بالتوافق بمعنى الحكومة تقبل به حتى يوازي الأمور داخل المجلس  ويكون حلقة وصل بين المعارضة ومن يقابلها من أجل الأنجاز في وضع اقتصادي صعب في ظل تراجع موارد النفط وانتهاء مرحلة الوفرة المالية ، ولكن أن أتت أغلبية لها نفس تصادمي فأنني أتوقع المجلس القادم لن  يستمر أكثر من عدة أشهر أو أقل من ذلك  ، ونخرج نحن كشعب بلا نتيجة تذكر .
وسلامتكم ما كتب اجتهاد مني ليس إلا
_________________________

من مدونة حمد الحمد   يوم الأربعاء  23 نوفمبر 2016 س 2 ظهراً